فرارًا من اضطهاد مكة، عبر جماعة من المسلمين الأوائل البحر إلى الحبشة، حيث آواهم ملكها النصراني النجاشي.
في السنوات الأولى بمكة، واجهت جماعة المسلمين الصغيرة ضغطًا متزايدًا من سادة قريش. وكان أشدّ الناس معاناةً مَن لا يحميهم عشيرة قوية، فصارت الحياة قاسية وغير آمنة. ولكي يجنّبهم هذا الاضطهاد، أمر النبي ﷺ جماعةً من أصحابه أن يغادروا مكة ويلتمسوا الأمان عبر البحر في الحبشة، وهي أرض تقع فيما يُعرف اليوم بإثيوبيا. وقد دلّهم عليها لأنها كانت تحت حكم ملك معروف بعدله، قال إنه لا يُظلم عنده أحد.
فخرجت جماعة من المسلمين الأوائل، وفيهم رجال ونساء، رحلةً شاقّة إلى الساحل، ثم عبروا البحر إلى بلد غريب عنهم. كان ذلك اقتلاعًا حقيقيًا من الجذور. تركوا وراءهم ديارهم وأهليهم وكل ما ألِفوه، لا يحملون إلا إيمانهم. ولمّا بلغوا الحبشة، استقبلهم الملك النصراني المعروف بالنجاشي، وأذِن لهم أن يعيشوا في أمان وأن يمارسوا دينهم بحرية.
ولم يكن سادة قريش راضين أن يتركوهم وشأنهم. فأرسلوا رسلًا يحملون الهدايا إلى بلاط الملك، يطلبون منه أن يردّ المسلمين إليهم. غير أن النجاشي أبى أن يسلّمهم قبل أن يسمع منهم بنفسه. ولمّا تحدّث المسلمون عن إيمانهم وعمّا أُنزل على النبي ﷺ، تأثّر الملك بكلامهم، ورفض أن يسلّمهم، وردّ رُسل قريش خائبين.
كانت هذه أول مرة يهاجر فيها المسلمون الأوائل من أجل دينهم، وكان لها أثر باقٍ على مرّ الزمان. فقد أظهرت أن الجماعة الناشئة قادرة على البقاء حتى وإن أُخرجت من مدينتها، وأن الأمان والعدل يمكن أن يوجدا خارج حدود جزيرة العرب. كما فتحت لقاءً قائمًا على الاحترام بين أتباع النبي ﷺ وملك نصراني عاملهم بلطف. وبالنسبة لمن خشوا أن يُسحق الدين في مكة، صارت الحبشة موضع لجوء وأمل.
المصادر
مصدر تاريخي
محتوى أوّلي، قيد المراجعة العلمية.
