بعد سنوات من الدعوة سرًّا، جهر النبي ﷺ بدعوة أهل مكة إلى الإسلام. ولقي المسلمون الأوائل عداءً متصاعدًا من سادة قريش.
في السنوات الأولى بعد بدء الوحي، كان النبي ﷺ يدعو في هدوء. كانت الرسالة تنتقل بين الأهل والأصدقاء المقربين، وكانت الجماعة الصغيرة من المؤمنين تصلي وتتعلم بعيداً عن أعين سادة مكة. ثم نزل الأمر في القرآن بإنذار أقرب عشيرته، فخرجت الدعوة إلى العلن. وما كان يُتداول في ثقة بين قلة من الناس صار يُجهر به بوضوح لأهل المدينة، وذلك التحول رسم مسار السنوات القادمة.
كانت مكة مركزاً للعبادة والتجارة في جزيرة العرب. كان الحجاج يقصدون بيتها الحرام، وكانت كبرى أسر قريش تستمد الجاه والرزق من الأصنام التي كانت تحفظها فيه. وفي هذا الجو دعا النبي ﷺ الناس إلى إله واحد لا شريك له، وإلى الصدق، وإلى رعاية الضعيف. كانت رسالة بسيطة، لكنها في ذلك السياق مسّت كبرياء المدينة وعاداتها ومصدر رزقها في آن واحد، ولهذا لم تستطع أن تبقى في الكتمان طويلاً.
لم يكن رد سادة قريش ترحيباً، بل كان مقاومة. فسخروا من الدين الجديد، وضغطوا على من اتبعه، وكان أشد بطشهم على المؤمنين الذين لم يكن لهم عشيرة قوية تحميهم. وكان هذا يعني للمسلمين الأوائل الإهانة والخسارة والخطر الحقيقي على تمسكهم بما آمنوا به. ومع ذلك لم تتوقف الدعوة. فظل الناس يدخلون في الإسلام، يجذبهم صدقه وصبر من حملوه.
تكمن أهمية هذه اللحظة في أنها حوّلت قناعة خاصة إلى حركة علنية. فبالجهر بالدعوة جعل النبي ﷺ الرسالة أمراً على المدينة كلها أن تجيب عنه، والعداء الذي تبع ذلك امتحن المسلمين الأوائل وجمع بينهم. وصار الصبر الذي أظهروه في تلك السنوات المكية الصعبة جزءاً من القصة التي ما زال المسلمون يتذكرونها، تذكيراً بأن هذا الدين حُمل بثمن حقيقي منذ أيامه الأولى.
المصادر
القرآن
مصدر تاريخي
محتوى أوّلي، قيد المراجعة العلمية.
